مقالات

أثنى مديــــرعام المركــــــــز الســــيد مهدي رشيد مهدي بالمقال الذي كتبه الزميل محمد جبار عطية الذي نُشر في مجلة عطاء الرافدين العدد 82 والموسوم "دروس في التعايش السلمي وحب الآخر" , وشدد سيادته على التركيز على مثل هذه المواضيع لما لها من أهمية في نبذ الأفكار الطائفية البغيضة الدخيلة على مجتمعنا العراقي , كما وجه سيادته بتعميم الموضوع على الأقسام ونشره في الموقع الألكتروني للمركز, وفيما يلي المقال المنوه عنه :

دروس في التعايش السلمي و حب الآخر

محمد جبار عطية /العلاقات والاعلام /مركز الدراسات والتصاميم الهندسية

يتفق الجميع على أن الإرهاب والأفكار الطائفية والعنف الطائفي سرطان ينخر الدولة والمجتمع , فهذه الافكار والترويج لها جريمة نكراء بحق الانسانية بشكل عام فهي تضرب عصب المجتمع وتشل الحياة وتدمر كل شيء , لذلك يدأب الجميع على نبذ تلك الأفكار بكل مايمكن من طرق وأساليب , وقد عممت الوزارة كتاب الأمانة العامة لمجلس الوزراء الموقر (إنطلاقاً من هذا المبدأ) توصيات ملتقى العلماء والمفكرين العراقيين لإشاعة ثقافة الحب والتسامح بين أبناء البلد ولنبذ الأفكار التكفيرية التي تحث على استباحة الدم العراقي, وتضمنت التوصيات فقرات عدة أهمها التثقيف على حرمة الدم, التثقيف على خطورة القاعدة والارهاب, الحوار واثره في ترسيخ التعايش السلمي , ونشر ثقافة التسامح والمحبة .

وخير نموذج يمكن أن نحتذي به ونجعله نصب أعيننا لنتعلم منه تجربة "غاندي" , فبعد أن حصلت الهند على استقلالها بفضل اسلوبه الفريد من نوعه في مقاومة الاحتلال (فاستخدم الكفاح غير المسلح) , واستطاع هذا الرجل بسياسة اللاعنف وبايدٍ عزلاء من دحر الجيش البريطاني وهو من أعتى جيوش العالم في ذلك الوقت , بعد نجاح غاندي في هذا نشب عنف طائفي بين الهندوس والمسلمين وحدثت معارك طاحنة راح فيها الآلاف من الطرفين , قرر غاندي الأب الروحي للبلاد الصوم حتى الموت لانه حمّل نفسه مسؤولية هذه الحرب "على اعتبار انه حرر البلاد قبل ان تكون مهيأة لذلك" , صام غاندي لكنه لم يصم في منزله او معبد هندوسي بل اختار بيت صديقه المسلم في مدينة يسكنها المسلمين, وهذا درسه وسلاحه الاول والرائع في محاربة ذلك الخطر الذي يتجاوز خطر الاحتلال والاستعمار بكثير , صام ولم يكفه توقف القتال في بعض المناطق بل اصرَّ على ان يستمر في ذلك حتى يمتنع آخر هندي عن قتل الاخر , وحتى يطمئن ان الجميع يتقبلون فكرة التعايش السلمي مع بعضهم , في تلك الاثناء وفي خضم تلك الحرب الطاحنة زار رجل هندوسي غاندي ليخبره وقد كان الشعور بالذنب يقض مضجعة انه قتل طفل مسلم بتهشيم راسه بالجدار لأن المسلمين قتلوا عائلته وليسأله ماذا يصنع للتكفير عن تلك الجريمة , فاخبره غاندي وقد انهكه الجوع الى درجة الاعياء ان عليه ان يبحث عن طفل يتيم فقد عائلته بسبب الحرب الاهلية وان يربيه في كنفه ويعامله كابنه ويعلمه كل تعاليم دينه لكنه فاجأه بقوله (احرص على ان يكون ذلك الطفل مسلماً ,وان تربيه على قيم الاسلام وتعاليمه ليكون مسلماً صالحاً ) , لا اعتقد ان تلك الكلمات تحتاج الى تعليق فهي كافية ووافية واعتقد ان هذا درس كبير يجب ان يفهمه الجميع فلا يكفي ان نرفض العنف الطائفي ونستهجنه بل علينا ان نربي انفسنا لنحب الآخر ونتقبل آراءه كما هي لا كما نريد نحن , دخلت دول كثيرة حروب اهلية وعرقية لكنها تعافت منها وتجاوزتها الى تقديم دروس عملية للاجيال , فهذه الولايات المتحدة تقدم لنا درسا كبيرا في تقبل الاخر بل وتفضيله فرغم المآخذ الكثيرة على سياستها مع الاخرين لكن درسها الذي اُريد ان اتحدث عنه داخلي , فتحولت من بلد يعامل المواطنين السود كمواطني درجة ثانية في ستينيات القرن الماضي وما قبلها الى درجة ان يكون هناك مستشفى للبيض وآخر للزنوج و مدارس خاصة بالبيض واُخرى للزنوج وكتب مدرسية يتداولها الطلبة البيض غير تلك التي يتداولها الزنوج , لتتحول تلك النظرة الدونية والعنصرية للزنوج الى نظرة متساوية بل وتفضيلية ليس في الشعارات فقط بل بإختيار رئيس من اُصول افريقية ليحكمهم! , حصل هذا بعد مايقارب الخمسة عقود فأي درس هذا! , علينا اذن ان نتعلم من تلك الدروس الكبيرة لنتجاوز ماحصل في السنوات السود التي عصفت ببلدنا ولنتعلم فن حب الآخر ولنبدأ "حين نتعامل معه" اولاً بالمشتركات التي تجمعنا , المشتركات التي اولها الإنسانية ولا حدَ لها .